كلمة عضو هيـأة رئاسة مجلس النواب سماحـة الشيـخ د. همام حمودي في مؤتمر حوار بغداد

بسم الله الرحمن الرحيم

أصحاب الفخامة والسيادة والسماحة والمعالي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أرحب بكم أجمل ترحيب في بيت الشعب، بيتكم الثاني.. وأحيي ضيوفنا الأكارم في بلدهم الثاني- العراق، متمنين لهم طيب الإقامة..
كما أبارك لكم ولشعبنا البطل وشعوب المنطقة الانتصارات العظيمة على داعش، التي تحققت على أيدي أبناء العراق الأشاوس من القوات العسكرية والأمنية والحشد الشعبي والبيشمركة وأبناء العشائر، وكل من وقف معهم داعماً ومسانداً بالعطاء والخدمة..
حيث سجّل فيها تاريخنا المعاصر قصصاً عظيمة لتلاحم شعبنا العراقي- قـلّ نظيرها- وجسـّد فيها نخوته ومروءته في نصرة إخوانه المستضعفين الذين هم تحت سطوة داعش، وبطشها، وسبيها للحرائر من النساء، وانتهاكاتها لكل الحقوق الإنسانية والقيم الأخلاقية.. لقد قدّم شعبنا آلاف القرابين من الشهداء والجرحى، وسطر أروع البطولات من أجل حماية العرض وتحرير الأرض، وحفظ السيادة الوطنية.

أخوتي أخواتي، سيداتي سادتي..
نرحب بكم في مؤتمرنا، الذي يتوسم بعنوان (الحــوار)، وهو المنهج الذي نراه الأنسب والأقوم في فهم بعضنا الآخر، وقراءة الواقع بنظرة ثاقبة ومخلصة، واستلهام الحلول، وإيجاد الفرص، وتجاوز التحديات- مهما اختلفت الرؤى وتعددت الآراء.
واخترنا عنوانـه (بغــداد)– دار السلام- لنذكّر بموقعية العراق وعاصمته، ودوره الحضاري والريادي الذي عُـرف به: جاذباً، مؤثراً، مستوعباً، ومبدعاً في عطائه الإنساني.
وحرصنا أن يكون موضوع بحث المؤتمر.. (خيــارات ما بعـد الانتصـار).. إيماناً منا بأن روحية المنتصر في قراءته، وبحثه، وحواره أكثر دقة وموضوعية وواقعية من قراءة المهزوم المتأثر عادة بنفسيته المحبطة.. وهذا ما أشارت إليه سورة النصر في توصيتها (فسبح بحمد ربك واستغفره..)

لقد سبق العراقيون غيرهم في الانتصار على داعش، ولم يكن ذلك سهلاً، بل تحقق الانتصار في ظل ظروف صعبة، وتحديات خطيرة، ومشاكل سياسية، وحركات إصلاح شعبية، ووضع أمني داخلي متخلخل، وأزمة مالية بسبب أسعار النفط، وثقـل الملايين من النازحين… في مثل هذه الأوضاع المعقدة تمكنت قواتنا بكل أصنافها من أخذ زمام المبادرة واستعادة قوتها.. وكان لفتوى المرجعية العليا في النجف فضل عظيم في إلهام شعبنا بروح الإيثار الحسيني.. ليبدأ فصلٌ جديد من الصمود– كصمود آمرلي؛ ولتبدأ معركة تحرير المدن تباعاً.. وخضنا معركة الوجود ومعركة الإصلاح في وقت واحد.
ولا يفوتنا هنا أن نقدم شكرنا إلى كل من وقف مع العراق في معركته وقدم العون والسند بمختلف أشكاله، في نفس الوقت الذي نؤكد أن تحرير الأرض كان بأيـدي عراقية شجاعة، وبإرادة وطنية متفانية بتضحياتها..
إن هذه الانتصارات موضع إعجاب العالم وتقديره واهتمامه، وأرست مرحلة جديدة للعراقيين، وآفاقاً كبيرة من الشجاعة، والبصيرة، وفـرز الأصدقاء والأعداء.. وأبدعت روح الابتكار والمبادرة، وعززت قيم التعاون والثقة، والوحدة والتكافل والتماسك.
لقد ساهمت معركة الانتصار على داعش في إعادة الروح الوطنية للعراقيين، وتعزيز أواصر الثقة والتفاهم بينهم.. وهـذه خطوة مهمة وأساسية لإعادة قراءة الأوضاع، وبناء رؤية مستقبل العراق بعد داعش.
وإن تحرير نينوى، كل نينوى، وسقوط دولة داعش يعد مفخرة لكل العراقيين بكل ألوانهم، لأنه يمثل ثمرة لجهد وتلاحم وطني يعتزون به، وسيكون صفحة مضيئة وملهمة من تاريخهم ووحدتهم الوطنية.

إن مشاكلنا لا يحلها غيرنا، لأن العراقيين أعرف بها، وأقدر على تشخيصها وفهمها.. (إن الله لا يغـيّر ما بقوم، حتى يغـيروا ما بأنفسهم).. وأنفسنا رهن إرادتنا، ومنها المنطلـق .. فمشاكلنا وتحدياتنا واضحة وجلية بعد ثلاثة عشر سنة من سقوط الطاغية، وتجارب طويلة مع المجموعات التكفيرية.. وقد سعينا لإدراجها تحت عناوين رئيسة، جعلناها محاوراً رئيسة لجلسات مؤتمر حـوار بغـداد اليوم وغـداً:
أولاً: الأمــن الذي هو أساس الدولة وهيبتها، واستقرارها، وتنميتها.. والأمن حالة غير قابلة للتجزئة أو التفكك.. بل أساسه الولاء للنظام السياسي، والكفاءة، والمهنية… لهذا وبعد تجربة الانتصار على داعش عسكرياً لابد من التساؤل: هـل هناك أفـق جديد لتجاوز هذا التحدي الكبير..!؟

ثانيــــاً: بنـاء الدولـة على أساس المواطنة وسيادة القانون، ومساهمة الجميع في بنائها، ويشعر أبناءها بالعدالة والكرامة.. وفي هذا المحور هناك رؤى وخيارات مختلفة تطرح في الساحة السياسية منها تبديل الوجوه، أو تغيير تشكيل الكتل إلى كتل سياسية عابرة للطائفية والقومية، أو اعتماد الأغلبية السياسية في تشكيل الحكومة، أو تعزيز اللامركزية، أو العودة إلى المركزية، وغيرها… نأمل أن يسلط الباحثون النقاش عليها.

ثالثــــاً: للانتصار استحقاقات ثقيلة، من رعاية عوائـل الشهداء، وعلاج الجرحى، وإعادة النازحين إلى بيوتهم، وما قد يفضي إلى نزاعات اجتماعية وغيرها.. ويضاف إلى كل ذلك استحقاقات المرحلة الانتقالية التي ما زلنا نعاني منها، ومن مخلفاتها، وتداعيات خروجها من نظام دكتاتوري إجرامي تسلطي إلى نظام تعددي يشهد حريات واسعة ومفتوحة في كل المجالات، وكذلك آثار الاحتلال البغيض وأخطائه وتجاوزاته وغيرها.. حيث إنعكس كل ذلك سلباً على حياة المواطن، وحقوقه، وشيوع الفساد الإداري والمالي.
وفي هذا البحث يمكن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى وما آلت إليه بعد تغيير أنظمتها بشكل كامل من تقدم واستقرار، أو انهيار وتمزق.. وتجربة دول أوروبا الشرقية وغيرها نموذج لذلك.

رابعــــاً: المنطقة وتوجهاتها المستقبلية، وتعزيز دور العراق في محيطه العربي والإسلامي والدولي، وتحصين جبهته الداخلية من التدخلات الخارجية المستمرة، ومساهمته بعد الانتصار على داعش، وتراكم خبرته في تعزيز استقرار المنطقة والسلام العالمي، خصوصاً وأن المنطقة ما بعد تحرير حلب تشهد تعاوناً إقليميا، وتفهماً للتحولات الدولية بعد الانتخابات وتبدل الرئاسة الأمريكية مما يفرض مزيداً من التفاهم والتنسيق فيما بينها.

نأمل لهذا الملتقى أن يشهد نقاشاً وحواراً موضوعياً، وشفافاً، وجاداً، ومباشراً، وشجاعاً في الدخول لعمق المشاكل والأزمات والتحديات، غير غافل عما تم تحقيقه من انتصارات وتطورات… فلتتقاطع الرؤى، وتتلاقح الأفكار بحوارات واقعية ناجحة ومثمرة ترسم مسار خياراتنـا لما بعد الانتصار..
لا يسعنا إلاّ أن نثمن مبادرة الأخوة في المعهد العراقي لحوار الفكر، ولجامعة بغداد برئاستها المحترمة على فكرة إقامة هذا المؤتمر.. كما ونقدم جزيل شكرنا إلى أمانة مجلس الوزراء على تعاونها الطيب لإنجاح هذا المؤتمر، والشكر موصول أيضاً إلى أمانة مجلس النواب، وكذلك الأخوة رؤساء الجامعات وعمداء وأساتذة الكليات الذين أتحفونا ببحوثهم القيمة، فضلاً عن الوزارات والهيئات المشاركة.
ولا يفوتنا أن نقدم جزيل امتناننا إلى وسائل الإعلام ونقابة الصحفيين العراقيين ومراكز البحوث والدراسات، ومؤسسات المجتمع المدني، الذين شاركونا في دعم هذا المؤتمر.
كما نخص بالشكر رئاسة التحالف الوطني، ورئاسة الوزراء، وأمانة بغداد على استضافتهم الكريمة.. وتقديرنا الخاص وشكرنا لكل من تحمل عناء السفر من داخل العراق وخارجه وشرفنا بمشاركته.
وفي الختــــام .. نبدي اعتذارنا مقدماً عن أي قصور أو غفلة قد تبدو، فإنتم جميعاً موضع تقدير واعتزاز ومحبة وتكريم، لكن سبحان الكامل.